سيد محمد طنطاوي

542

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - تعالى - وظيفة الرسل فقال : * ( وما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ) * . أي : تلك هي وظيفة الرسل الكرام الذين نرسلهم لهداية الناس وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . فهم يبشرون المؤمنين بحسن العاقبة وجزيل الثواب ، وينذرون الفاسقين والكافرين بسوء العاقبة ، وشديد العقاب . وقوله - تعالى - : * ( ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِه الْحَقَّ ) * بيان لموقف الكافرين من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - . ويجادل من المجادلة بمعنى المخاصمة والمنازعة . ومفعوله محذوف . والباطل : هو الشيء الزائل المضمحل الذي هو ضد الحق والعدل . والحق هو الشيء الثابت القويم الذي تؤيده شريعة اللَّه - عز وجل - . والدحض : الطين الذي لا تستقر عليه الأقدام . فمعنى يدحضوا : يزيلوا ويبطلوا تقول العرب : دحضت رجل فلان ، إذا زلت وزلقت . . ومنه قوله - تعالى - : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ . والمعنى : ويجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل ، ليزيلوا به الحق الذي جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه ، واللَّه - تعالى - متم نوره ولو كره الكافرون ، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال . وقوله - تعالى - * ( واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُواً ) * معطوف على ما قبله لبيان رذيلة أخرى من رذائل هؤلاء الكافرين . والمراد بآيات اللَّه : تلك المعجزات التي أيد اللَّه - تعالى - بها رسله سواء أكانت قولا أم فعلا ، ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا . أي : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بجدال رسلهم بالباطل ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم اتخذوا الآيات التي جاء بها الرسل كدليل على صدقهم ، واتخذوا ما أنذروهم به من قوارع إذا ما استمروا على كفرهم . اتخذوا كل ذلك « هزوا » أي : اتخذوها محل سخريتهم ولعبهم ولهوهم واستخفافهم ، كما قال - سبحانه - : وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المعرضين عن التذكير وعن آيات اللَّه فقال : * ( ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّه فَأَعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداه ) * .